فوزي آل سيف
314
من قضايا النهضة الحسينية : أسئلة وحوارات
وأحسب -والله العالم- أن تطور الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي من ثورات وحركات تحرر وأعمال مقاومة وغيرها لما أثر على مجمل الحياة الإسلامية فقد أثر أيضاً على المنبر ونوعية الخطاب فيه، وفي بعض الحالات تجاوز التأثير الحدود المناسبة إلى ما هو أكثر. كما أن كون بعض المتصدّين للمنبر الحسيني جزءاً من ذلك الحراك السياسي العام جعل من الطبيعي أن ينعكس وضعهم السياسي على خطابهم المنبري. هذا إضافة إلى بعض عناصر الجذب والإثارة التي تترافق عادة مع (المنبر السياسي لو صح تسميته) والتي تستقطب شرائح من المجتمع، وتجعل الخطاب مع وجودها، شيّقاً ومثيراً ومعاصراً. ونحن نخالف حذف هذا الجانب المعاصر من الخطاب بالكامل، لأسباب كثيرة، منها أن توجيه المجتمع في حركته السياسية مسؤولية مهمة ينبغي أن يضطلع بها العلماء والمصلحون، وأن لا يترك الناس هَمَلاً يوجههم الفاسدون أو تتلاعب بهم التيارات الخاطئة. كما أن حياة أبناء المجتمع اليوم لم تعد - حتى في تفاصيلها الصغيرة- بعيدة عن الجانب السياسي، فمن الضروري أن يكون لديهم رؤية واضحة في المسألة العقدية، والثقافية، والسياسية أيضاً. إلا أننا أيضاً لا نرى الإغراق فيه أو الإكثار منه، بحيث يشعر المستمع أنه لا يعيش أجواء المنبر الحسيني. كما أن تناول هذا الجانب ليس من الصحيح أن يكون شرعة لكل وارد. فقد يكون تناول هذه القضايا -التي هي أيضاً تحتاج إلى دقة كافية- من شخص معيّن مقبولاً وطبيعياً، بخلاف غيره من المتكلمين. 4- غير المألوف في العقائد: ومنها: النزوع إلى ذكر غير المألوف لا سيما في الأمور العقائدية: يتعمد بعض الخطباء في منابرهم الحديث عن بعض القضايا غير المألوفة في المسألة العقائدية، فتراهم أولا: يوردون ما هو غير مشهور بين الطائفة من الآراء والمفاهيم، مستفيدين من كونها لم تسمع قبلئذٍ إلا نادرا. وأن مواضيعهم غير مكررة ولا مسموعة. وأحياناً يجر الأمر إلى ذكر بعض الآراء النادرة، التي يصعب تحملها على أكثر المستمعين بل ربما كانت بالنسبة لهم عامل فتنة، وخبطاً فكرياً. ولا سيما عندما يكون الحديث عن مقامات أهل البيت عليهم السلام العالية، ومنازلهم السامية فإن بعضها (أو الكثير منها) يرتفع عن مستوى الكثير من المستمعين. وهذه الأفكار بحلقات الدروس الخاصة لمجاميع ذوي مستويات عالية متقاربة أنسب منها بالمجالس والمنابر الحسينية العامة التي يحضرها ذوو مستويات مختلفة ارتفاعاً وهبوطاً وهذا التوجه قد يكون ناتجاً عن عدم التقدير، وفقدان الحكمة في مخاطبة الجمهور بالنحو الذي يستوعبه، وبالمقدار الذي ينفعه.